الخطيب الشربيني
322
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام ، وقيل : تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم وَأَعَدَّ أي : والحال أنه أعد لَهُمْ أي : بعد السلامة الدائمة أَجْراً كَرِيماً هو الجنة ، وتقدم ذكر الكريم في الرزق ، فإن قيل : الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه ، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز ، فحيث يلقاه يؤتيه ما يرضى به وزيادة ، فما معنى الإعداد من قبل ؟ أجيب : بأن الإعداد للإكرام لا للحاجة . قال البيضاوي : ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ أي : الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره إِنَّا أَرْسَلْناكَ أي : بعظمتنا إلى سائر خلقنا شاهِداً أي : عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالتهم ، وشاهدا للرسل بالتبليغ ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان وَمُبَشِّراً أي : لمن آمن بالجنة وَنَذِيراً أي : لمن كذب بالنار . وَداعِياً إِلَى اللَّهِ أي : إلى توحيده وطاعته ، وقوله تعالى : بِإِذْنِهِ حال أي : متلبسا بتسهيله ، ولا يريد حقيقة الإذن ؛ لأنه مستفاد من أرسلناك وَسِراجاً أي : مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم للمبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار مُنِيراً أي : نيرا على من اتبعه فيصير في أعظم ضياء ، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام . وعبر به دون الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج ؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء ، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة ، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه ، وكذلك إن غاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان كل صحابي سراجا يؤخذ منه نور الهداية كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » « 1 » . قال ابن عادل : وفي هذا الخبر لطيفة : وهي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم ، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه ، فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلا يؤخذ إلا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفعله ، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولو جعلهم كالسرج والنبي صلّى اللّه عليه وسلم كان سراجا كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك ، فإن مع نص النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يعمل بقول الصحابي ، بل يؤخذ النور من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجا . تنبيه : جوز الفراء أن يكون الأصل وتاليا سراجا ، ويعني بالسراج : القرآن ، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة ؛ لأن التالي هو المرسل . وقوله تعالى : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عطف على محذوف ، مثل فراقب أحوال أمتك . ولم يقل أنذر المعرضين إشارة للكرم . وقوله تعالى : بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً كقوله تعالى وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [ الأحزاب : 35 ] والعظيم والكبير متقاربان . ولما أمره سبحانه وتعالى بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي : لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها ، فإنك نذير لهم ، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله
--> ( 1 ) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء 1 / 147 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 2 / 223 .